الجنس الآخر
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
الجنس الاخر هو كتاب مهم في نشأة الحركات النسوية الغربية، وقد صدر لاول مرة بالفرنسية عام 1949 على يد المفكرة والفيلسوفة الفرنسية المعروفة سيمون دي بوفوار.
في هذا الكتاب تناقش المؤلفة سؤالين مركزيين: كيف وصل الحال بالمرأة إلى ما هو عليه اليوم- أي ان تكون "الاخر"؟ وما هي الاسباب لعدم تكتل النساء سوية ومواجهة الواقع الذكوري الذي فرض عليهن؟ لغرض الاجابة على هذه الاسئلة وغيرها، قسمت بوفوار كتابها إلى عدة فصول. الفصل الاول اسمته "مصير"، وهو مقسم إلى ثلاث مجموعات اخرى:
- المعطيات البيولوجية: في هذا القسم حللت بوفوار التركيبة البيولوجية لدى المرأة، ودورها في ترسيخ مكانتها كآخر. وناقشت بوفوار بعض الادعاءات التي فسرت دونية المرأة من خلال مقارنة ذلك مع دونيتها في العملية الجنسية. خلصت بوفوار إلى النتيجة بان ترسيخ الوظيفة الجنسية للمرأة وكذلك ضعفها الجسدي اصبحا عاملين مهمين في بلورة مكانتها بسبب تذويتها لمكانتها في المبنى الاجتماعي القائم وقبوله كأمر مفروغ منه. لكن، الادعاء حول الاختلاف البيولوجي بين الرجل والمرأة لا يعطي تفسيرا من وجهة نظر بوفوار لتحول المرأة إلى آخر.
- وجهة النظر العلم نفس-تحليلية: في هذا القسم تتطرق بوفوار إلى تحليل علم النفس لمكانة المرأة، فناقشت المواقف المختلفة لعلماء نفس رجال، والذين ناقشوا المبنى النفسي للمرأة وتطوره بناء على النموذج الذكري. فعقدة الكترا لدى الاناث وفق فرويد مبنية على سبيل المثال على نموذج عقدة اوديب لدى الذكور. لذا، ليس بالامكان الالتجاء إلى نظريات علم النفس التحليلي لدعم الادعاء حول الاختلاف بين الجنسين لسبب مهم: انها تتطرق إلى الذكر، وما يلائم الذكر لا يلائم الانثى بالضرورة.
- وجهة نظر المادية التاريخية: في هذا القسم ناقشت بوفوار التحليل المطريالي تاريخي لوضع المرأة. وفق هذا التحليل فان وضع المرأة المتدني ناتج عن صراع الطبقات، فيصبغ صراع المرأة بالرجل وفق هذا التحليل بالصبغة الطبقية. نقد بوفوار لهذا التحليل ينبع أساسا من رؤيته كسطحي وغير معبر بصدق عما حدث. فمثلا، ادعاء انجلز بان الانتقال من نمط الحياة المشترك الذي كان مبنيا على العمل الجماعي في المجتمعات البدائية إلى عمل فردي يكون فيه الرجل هو صاحب الاملاك، هذا الادعاء سطحي ولا يشرح لنا من وجهة نظر بوفوار كيف تم استعباد المرأة! كما انه لا يشرح العلاقة بين الإنسان والملكية التي هي أساس المؤسسات الاجتماعية. بوفوار توسع نقدها ضد ادعاء انجلز الأساسي: أي المشابهة بين وضع المرأة وبين وضع طبقة العمال. فتشير الكاتبة إلى عدم شرعية هذه المشابهة لسببين رئيسيين: العامل أنتج وعيا ذاتيا يمكنه من التمرد بالسيد. أما المرأة فإنها عاشت مع الرجل، وتتضامن معه، فالمرأة البيضاء تشعر بالقرب من الرجل الأبيض أكثر منه من المرأة السوداء وهلمجرا. السبب الآخر بيولوجي فالمرأة ليست عاملا فقط بل هي أيضا ذات وظيفة إنجابية، وهي وظيفة لا تقل أهمية عن الجانب الإنتاجي لديها، حيث أن إنجاب الأطفال في مرحلة معينة يكون أهم من العمل بالمحراث.
في الفصل الثاني، تحت عنوان "تاريخ" قامت بوفوار باعطاء تحليلها وشرحها لوضع المرأة والمرتكز على رؤيا تاريخية. وفق بوفوار، التاريخ وحده كفيل باعطائنا الإجابات. فتفحص من خلال تاريخ البشرية الموقع الاجتماعي، اقتصادي، ثقافي وقيادي للمرأة، وصولا إلى الحاضر في محاولة منها لإنارته. خلال هذه المراجعة للماضي تثبت بوفوار بأن كل القوى ذات التأثير كانت بيد الرجل، وان التاريخ تحقق من رؤيته هو وفهمه هو للواقع، بصورة أدت في نهاية المطاف إلى انتاج المرأة بصورة الاخر المطلق له.وفق تحليلات سيمون دي بوفوار، في بداية الإنسانية، حيث كانت القبائل متنقلة، عمل الرجل والمرأة سوية. ايام الطمث والحمل صعبت على المرأة في اخذ دور اكثر فاعلية. الرجل اكتسب أهمية أكبر في مرحلة لاحقة بسبب عمله في الصيد ومواجهته المخاطر. مواجهة المخاطر اعتبرت في نظر المجتمعات البدائية احدى الامور التي تعطي الافضلية للفرد، وهو ما لم تستطع المرأة القيام به بسبب انهماكها في الحمل (اذ انعدمت في تلك الفترة موانع الحمل والخ). في المقابل، بسبب القيمة المنخفضة للحياة البشرية، لم يعتبر انجاب الاطفال عملا ذو افضلية. وفق النتيجة التي توصلت اليها بوفوار، الجنس البشري لا يعطي الافضلية للجنس الذي ينجب بل للجنس الذي يقتل. في محاولة من الرجل للحفاظ على الامتيازات التي حصل عليها، انتج مجالا انثويا ومجالا ذكوريا. لكن، في هذه المرحلة لم تكن فوقية الرجل ملموسة ومؤسسة كما حدث لاحقا، لدى استيطان هذه القبائل في اماكن ثابته. الاستيطان في أماكن ثابته حول هذه القبائل (بسبب تغير طريقة حياتها) إلى قبائل زراعية. لدى هذه القبائل الاستيطانية تغيرت النظرة إلى الولادة فأصبحت ايجابية: هذه القبائل اصبحت تقدس الاباء القدامى وتصبوا للاستمرارية. لذا، المرأة أصبحت ذات وظيفة مهمة, فعن طريقها تحافظ القبيلة على استمراريتها. النظرة إلى المرأة باتت تعتريها مسحة من التقديس، فصورت الالهة على انها من الاناث. الرجل، بسبب عدم تقيده كالمرأة بمسائل الانجاب وبسبب قوته الجسدية طور ادوات العمل الزراعية، ومن ثم جلب العبيد ليعملوا بالارض التي وسع نفوذه فيها، فيما انحصرت مملكة المرأة رويدا رويدا في البيت. مع حصول الرجل على الاملاك تحولت المرأة إلى ملك له. ومع ظهور الاملاك، انهار منصبها وارتبط تاريخها بالاملاك الشخصية وبالارث التي تعطي القيمة لمالكها، القوة والسلطة. فاصبح الاطفال، الاراضي، المال والخ كلها امور تابعة للرجل. وهنا نشأت المؤسسات الذكورية الابوية بحيث تكون الانثى ملكا للرجل- الاب، الاخ، الزوج.
في تتمة الفصل حللت بوفوار واقع المرأة مرورا بالحضارة اليونانية والرومانية والعصور الوسطى، مرورا بالثورة الفرنسية ووصولا إلى النصف الاول من القرن العشرين بناء على هذا المبنى من علاقات القوة الذي نشأ بين الجنسين، بحيث ان هذه المجتمعات عملت على الاغلب على ترسيخ هذا المبنى.
في الفصل الثالث المسمى "أساطير" تتطرق بوفوار إلى اساطير مختلفة حول المرأة ترمي إلى اختزالها واحتواء ال"حقيقة" الوحيدة للمرأة، بحيث تصبح الأسطورة هي الواقع، والمرأة التي لا تتوفر فيها شروط الأسطورة (مثلا أسطورة عدم طهارة المرأة وقت الطمث) هي إنسانة شاذة، فلا يتم النظر إلى الأسطورة على أنها هي الخطأ. أهمية هذه الأساطير وفق بوفوار أنها تعطي الشرعية لكل الأفضليات والامتيازات التي حصل عليها الرجل. كما ان هذه الاساطير تزيل الشعور بالذنب عن الرجل حيث انها تبرر مصير المرأة بارادة الطبيعة، وهكذا يتم استلاب حقوق المرأة والتعامل معها كجارية أو حتى حيوان نقل. أسطورة "الغموض" هي أكثر الاساطير انتشارا لدى الرجال، وعن طريق هذه الاسطورة يقومون بتفسير كل تصرف مبهم وغير مفهوم لديهم الناتج عن تصرف معين لامرأة. وبذلك ينتجون المرأة بصورة الآخر المطلق لهم.